محمد بدر يكتب هل تحتاج مصر إلى دستور جديد أم مراجعة دستورية شاملة؟

مع كل مرحلة من بناء الجمهورية الجديدة، يعود السؤال: هل تحتاج مصر إلى دستور جديد، أم مراجعة دستورية شاملة؟ وتبدأ الإجابة بتقييم الواقع: أي النصوص نجح تطبيقها؟ وأيها يحتاج تطويرًا؟ وأيها لم يحصل على فرصة كاملة للتنفيذ؟
لا أرى ضرورة لكتابة دستور جديد حاليًا؛ فدستور 2014 وتعديلاته عام 2019 وضعا إطارًا عامًا يُبنى عليه. غير أن الاستقرار الدستوري لا يعني إغلاق باب المراجعة، كما أن مرور السنوات وحده لا يبرر التعديل؛ فالصالح العام وحاجة المؤسسات والمواطنين هما المعيار.
وهنا يجب التمييز بين ثلاثة أمور: قصور النص الدستوري، وقصور القانون المنظم، وقصور التنفيذ. فالخلط بينها قد يدفعنا لتعديل مادة سليمة بينما تظل المشكلة قائمة. لذا أدعو لمراجعة شاملة في التشخيص، وتعديلات محددة بقدر ما تثبته المراجعة.
وفي مقدمة الملفات المستحقة للنقاش: دور مجلس الشيوخ. تحدد المادتان (248) و(249) اختصاصاته في الدراسة والاقتراح، بينما تقرر المادة (253) عدم مسؤولية الحكومة أمامه. ومن ثم، فإن منحه صلاحيات لمساءلتها يتطلب بحثًا دستوريًا ولا يصح التعامل معه كتعديل في اللائحة. ولتفعيل دوره، ينبغي نشر نتائج أعماله وتتبع وتفنيد توصياته، على أن يستند أي توسع في صلاحياته إلى وظيفة واضحة تضيف للعمل البرلماني وتحدد علاقته بمجلس النواب بدقة.
أما الإدارة المحلية، فهي الاختبار الأقرب للمواطن. يدعم الدستور اللامركزية، وتمنح المادة (180) المجالس المحلية المنتخبة اختصاصات في متابعة التنمية والرقابة على الأجهزة التنفيذية. لذا ينبغي تبين القوانين والموارد والصلاحيات اللازمة لتفعيل هذه الأحكام قبل افتراض أن تغييرها هو الحل. وإذا كشفت المراجعة أن قواعد التشكيل أو نسب التمثيل تحتاج تعديلًا، فليكن عبر حوار معلن يحافظ على المشاركة الواسعة؛ فالمواطن يحتاج مجلسًا يتابع المشروعات المتعثرة ويحاسب المسؤولين.
وفي التمثيل النيابي، تتيح المادة (102) الانتخاب بالنظام الفردي أو القائمة أو الجمع بينهما، وتترك تنظيم ذلك للقانون مع ضمان تمثيل المرأة والتمثيل العادل للمحافظات. وبالتالي، فإن مراجعة النظام الانتخابي لا تستلزم تعديل الدستور. ويجب أن يركز تقييم النظام الانتخابي على عدالة المنافسة، ووضوح الاختيار، وقدرة الأحزاب والكفاءات على الوصول للبرلمان، وربط التمثيل بالمحاسبة.
تتطلب هذه المراجعة حوارًا مجتمعيًا يشارك فيه المتخصصون والأحزاب ومؤسسات المجتمع والمواطنون. وإذا ثبتت الحاجة لتعديل دستوري، فالمادة (226) تحدد مساره بموافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب ثم العرض على الاستفتاء، مع حماية مبادئ الحرية والمساواة من أي تعديل إلا لمزيد من الضمانات.
موقفي واضح: أؤيد مراجعة دستورية شاملة تُنصف التجربة وتحدد ما يحتاج تعديلًا أو تنفيذًا. ونجاح أي مراجعة سيتجلى في مؤسسة تؤدي دورها، ومسؤول يخضع للمساءلة، ومواطن يلمس أثر حقوقه في حياته اليومية.



