أخبار الجمهوريةاقتصادعربي ودوليمنوعات

محمد ثروت عكاشة يكتب: العلاقات المصرية الصينية وتوطين الصناعة المحلية

تتجه الأنظار نحو القاهرة مع الزيارة الرسمية المرتقبة للرئيس الصيني “شي جين بينغ”، والتي تكتسب دلالة استثنائية بوصفها زيارة ذات مسار استراتيجي حاسم؛ إذ تُعد هذه الجولة هي الأولى له إلى منطقة الشرق الأوسط والثانية فقط خارج الصين خلال عام 2026، لتعزز مكانة مصر كشريك اقتصادي وتنموي محوري في المنطقة، وتُترجم هذا الثقل في العلاقات بين البلدين إلى واقع رقمي يعكس زخماً استثمارياً وتجارياً غير مسبوق.

وتتجلى أهمية هذه الشراكة في أحدث الأرقام الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، والتي أظهرت قفزة تاريخية في الصادرات المصرية إلى الصين خلال النصف الأول من عام 2026 بنسبة 199.8% لتسجل 840.8 مليون دولار مقارنة بـ 280.5 مليون دولار عن الفترة نفسها من عام 2025. وبذلك ارتفع إجمالي حجم التبادل التجاري بين البلدين بنسبة 21.5% ليصل إلى 11.3 مليار دولار خلال ستة أشهر فقط، مقابل 9.3 مليار دولار في الفترة المقابلة من العام الماضي.

وفي سياق متصل بدعم التدفقات الاستثمارية المباشرة، كشف اتحاد الغرف التجارية عن وجود نحو 3 مليارات دولار استثمارات صينية جديدة قيد التفاوض والتنفيذ في مصر خلال الأشهر الستة المقبلة.

وتستهدف هذه التدفقات تدشين مشروعات إنتاجية حيوية، مما يعكس رغبة مجتمع الأعمال الصيني في توسيع نطاق أعماله داخل السوق المصري والاستفادة من البنية التحتية والمميزات التنافسية المتاحة.

ورغم هذه البيانات الرقمية الإيجابية، فإن قراءة هيكل الميزان التجاري – الذي تسجل فيه الواردات المصرية من الصين 10.4 مليار دولار – تؤكد الضرورة الملحّة لتحويل هذه العلاقات من نمط التبادل التجاري التقليدي إلى مرحلة “توطين الصناعة الوطنية”. فالمطلوب عملياً تجاوز التجميع الصوري والمضي قدماً نحو إبرام عقود تنفيذية لنقل التكنولوجيا والمعرفة، ورفع نسبة المكون المحلي، وإدماج المصنعين والموردين المصريين في سلاسل التوريد العالمية.

وتتركز فرص هذا التحول الصناعي في قطاعات عالية القيمة، مثل تصنيع السيارات الكهربائية وبطارياتها، وإنتاج الألواح الشمسية، ومعدات تحلية المياه، والصناعات الإلكترونية، ومراكز البيانات. ويمثل ضخ الاستثمارات المباشرة في المناطق الاقتصادية الاستراتيجية – وفي مقدمتها المنطقة الاقتصادية لقناة السويس وشراكة “تيدا” بالعين السخنة – السبيل الأمثل لتحويل المنطقة إلى مركز إنتاجي وتصديري يغطي الأسواق الإقليمية والأوروبية.

إن التوجه نحو تعميق التصنيع المحلي يعالج التحديات النقدية بطريقة مباشرة؛ إذ يسهم في تقليل فاتورة الاستيراد، وتخفيف الضغط على العملة الأجنبية، وتعظيم الاستفادة من اتفاقيات مبادلة العملات البالغة 30 مليار يوان بين البنكين المركزيين، فضلاً عن استغلال الإعفاءات الجمركية الممنوحة للصادرات الإفريقية.
ختاماً، فإن التنسيق بين رؤية مصر 2030 ومبادرة “الحزام والطريق”، مدعوماً بعضوية مصر في تجمع “بريكس”، يضع الاقتصاد الوطني على أعتاب مرحلة جديدة.

فالمعيار الحقيقي لنجاح هذه الشراكة التاريخية لن يقاس بحجم الصفقات الموقعة أمام الكاميرات، بل بعدد خطوط الإنتاج الجديدة التي تنطلق فعلياً، وحجم القيمة المضافة التي يكتسبها المنتج المصري، وتأهيل الكوادر الوطنية لتوطين التكنولوجيا وتطويرها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى